اخر ما كتب

الثلاثاء، 29 مايو 2012

اوكتافيا نصر: أطفال سوريا في مهبّ الوحشية

الصور التي تصل من سوريا منذ بدء الانتفاضة قبل ستّة عشر شهراً ينفطر لها الفؤاد. إنها تشكّل توثيقاً أساسياً لبعض أسوأ أعمال العنف في حق المدنيين التي نشهدها منذ الصحوة العربية التاريخية التي نتابعها بقلق ونعقد عليها آمالاً كبيرة. في كل نزاع، ثمة لحظة ينعصر فيها القلب حيث الفظائع أكبر من أن تُحتمَل والصور حية ومروّعة إلى درجة لا يمكن أن يستوعبها العقل. وفي الانتفاضة السورية، مجزرة الحولة في نهاية الأسبوع الماضي هي نقطة التحوّل بالنسبة إلى سوريا والنظام البعثي للرئيس بشار الأسد.
بما أنني أعمل في مجال الإعلام منذ وقت طويل، وأشهد على بعض أسوأ الفظائع التي تُرتكَب في العالم، لا بد لي من الوقوع على صور حيّة، ومواكبة ما يحدث بعد المجازر، ورؤية المشاهد البشعة التي تصوّر ما يقدر عليه الكره البشري والسلوك البربري في أسوأ تجلّياته.
لسوء الحظ، كانت للعقود الثلاثة الاخيرة حصّتها المؤسفة من الفظائع، التي أطلقنا عليها أسماء مختلفة للتمييز بينها، فهناك الإبادات الجماعية، وهناك التطهير الإتني، والإرهاب، والتوغّلات، والاجتياحات، والحرب على الإرهاب، والجرائم ضد الإنسانية… وتسميات أخرى كثيرة لا تعني شيئاً لكل من فقد عزيزاً في أي من مناطق النزاع، من سييراليون الى البوسنة وأفغانستان، إلى العراق وغزة، والآن سوريا.
كما في كل هذه النزاعات، وسواها الكثير، يقف المجتمع الدولي متفرّجاً ولا يحرّك ساكناً إلا للإدانة والتعبير عن الصدمة، في حين أنه يجدر به التضامن والعمل مع شركاء متعدّدين (محليين وإقليميين ودوليين) لوضع حد للعنف وإنقاذ الأبرياء العالقين في قلب النزاعات ومعاقبة المعتدين.
عوض ذلك، ها هي الولايات المتحدة تُجري محادثات مع عدوّتها اللدودة إيران، في حين أن وكلاءهما ينفّذون تمثيليات دراماتيكية شيطانية في لبنان جديرة بمسرحية عبثية، لكن شديدي الجهل يعتقدون أنها حقيقية. أما دول الخليج، فتغضّ النظر وكأنّ العنف يحدث على كوكب آخر. وثمن كل هذه الألاعيب والحيَل هو تأجيل تسوية النزاع في سوريا، والموافقة على ارتكاب مزيد من المجازر في عدد أكبر من المدن، فيما يكسب نظام الأسد مزيداً من الوقت، مما يشكّل المصدر الوحيد لخلاصه في هذه المرحلة.
وفي هذه الأثناء، صور الضحايا، ولا سيما منهم الأطفال وعمر بعضهم من عمر الانتفاضة، تُدمي القلوب. يُذبَح هؤلاء الملائكة بوحشية قبل أن يتذوّقوا طعم الحياة أو السياسة أو الوطنية، فيما نحزن على سقوط الضحايا البريئة. قتل الأطفال والرضّع أمر لا يمكن تحمّله.
العزاء الوحيد، إن كان هناك من عزاء، هو أنهم عندما يبلغون جميعاً الراحة الأبدية، سوف يروون حكايات عن الحرية وعن بطولة من تجرّأوا على الوقوف في وجه النظام الديكتاتوري الذي لم يكن يُمَس من قبل. سوف يتشاطرون الأمل الذي شعر به المتظاهرون في أنحاء سوريا، والذي تردّد صداه وصولاً إلى مهودهم وأسرّتهم الصغيرة.
في الممات كما في الحياة، الشعور بالعزّة والإباء ملك لهم، ولا يستطيع أحد انتزاعه منهم. لا نظام ولا ديكتاتور ولا جيش ولا سلاح ولا سكاكين، ولا حتى القبر!

0 التعليقات:

إرسال تعليق

تبعنا على جوجل +

المتابعون

ارشيف المجلة

التعليقات الاخيرة

اخر ما اضاف